ابن عجيبة
246
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
من بعدهم ، لأنهم خدامها وعمارها . قال فرعون : فَما ذا تَأْمُرُونَ أي : تشيرون علىّ أن أفعل ؟ قالُوا أَرْجِهْ أي : أخّره وَأَخاهُ أي : أخّرهما حتى تنظر في أمرهما ، وقيل : أمروه بسجنهما ، وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ أي : مدائن عمالتك حاشِرِينَ يحشرون لك السحرة ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ . ثم ذكر مجيئهم ، وما كان من أمرهم مع موسى عليه السّلام ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 113 إلى 119 ] وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 113 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 114 ) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ( 115 ) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ( 116 ) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 117 ) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 118 ) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ( 119 ) قلت : من قرأ : ( أئن ) بهمزتين ، فهو اسم استفهام ، ومن قرأ بهمزة واحدة ، فيحتمل أن يكون خبرا ، كأنهم قالوا : لا بد لنا من أجر ، أو استفهاما حذفت منه الهمزة ، والتنكير للتعظيم ، واستأنف الجملة ، كأنها جواب عن سائل قال : فماذا قالوا إذ جاءوا ؟ قالوا : إن لنا لأجرا . . . إلخ ، و ( إنكم ) : عطف على ما سدّ مسده نعم ، من تمام الجواب ، كأنه قال : نعم نعطيكم الأجر ونقربكم . يقول الحق جل جلاله : وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم ، قالُوا لما وصلوا إليه : إِنَّ أئن لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ لموسى ؟ قالَ نَعَمْ إن لكم أجرا وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ إلىّ . فأنعم لهم بالأجر ، وزادهم التقريب منه والجاه عنده ؛ تحريضا لهم . واختلف في عدد السحرة اختلافا متباينا ، من سبعين رجلا إلى سبعين ألفا ، وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل . ولمّا خرجوا إلى الصحراء لمقابلته قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ؛ خيّروا موسى مراعاة للأدب ، وإظهارا للجلادة ، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله ، ولذلك عبّروا عن إلقاء موسى بالفعل وعن إلقائهم بالجملة الاسمية ، وفيه إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه . ولذلك أسعفهم ، قالَ أَلْقُوا أسعفهم كرما ومسامحة وازدراء بهم ، فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ، بأن خيلوا إليها خلاف ما في حقيقة الأمر ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ أي : خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر ، وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ في فنّه . روى أنهم ألقوا حبالا غلاظا ، وخشبا طوالا ، كأنها حيات ، ملأت الوادي ، وركب بعضها بعضا .